عبد القادر الجيلاني
16
فتوح الغيب
وقد كانت الطّبقة الوسطى على أثر الأمراء والأغنياء ، وكان العامّة والعملة والفلّاحون خاضعين لأخلاق الطّبقة الوسطى ، يرون الشّرف في تقلّدها والتّشبّه بها ، وكان الّذين يملكون وسائل الحياة والسّعة في المعيشة يستخدمونها في التّمتّع بالحياة وإرضاء الشّهوات . أمّا الّذين حرموها ، فكانوا يقضون حياتهم في تحسّر وتوجّع ، ويعتبرون نفوسهم - مهما أوتوا من العلم والنّسب والأخلاق الفاضلة - أذلّ من الدّوابّ والأنعام . وكان أصحاب اليسار والأموال لا يعرفون الإيثار والعطف على الضّعفاء والبرّ بالفقراء ، والشّكر على ما أكرمهم اللّه به من سعة ورخاء . أمّا البؤساء والكادحون ، فكانوا لا يعرفون الصّبر والرّضا ، والألفة والإباء ، وهكذا فقدت الحياة اتّزانها وهدوءها ، وأصيبت بنوبة عصبيّة عنيفة ، لا يرى إلّا من سيطر على أموال عظيمة ، وتسلّط على هلكتها واستغلالها للهوى والشّباب ، أو الجاه والنّفوذ ، وإلّا من يحسد هذه الطّبقة ويعيش في هموم وغموم لا أرجاء لها ، ولا تنتهي إلّا مع الحياة ، فلا دنيا يلهو بها ويقضي وطره ، ولا دين يلتجىء إليه ويعتزّ به . كان المجتمع الإسلاميّ - بكلّ ما ذكرناه - في حاجة ملحّة إلى دعوة دينيّة ، تخفّف غلواء حبّ الدّنيا ، وتحدّ من شدّته وحدّته ، وتوقظ في النّفوس الإيمان ، وتثير عقيدة الآخرة ، وتحرّك في القلوب الحبّ للّه والحنين إليه ، وتحثّ على الطّموح وعلوّ الهمّة وبذل الجهد في الحصول على علم اللّه الصّحيح وعبادته ، ونيل رضوانه والمسابقة في سبيله ، وتدعو إلى التّوحيد الكامل ، والدّين الخالص ، دعوة صريحة مكشوفة ، وتبيّن ضعف أهل الدّنيا وأصحاب الثّروة ورجال الحكومة وفقرهم ، في قوّة ووضوح وثقة واعتداد بالنّفس ، وأنّ الأسباب لا قوّة لها ولا تأثير ، وأنّها مسخّرة خاضعة لإرادة اللّه تعالى يتصرّف فيها ، ويملكها ويصرفها كيف يشاء . * مؤهّلات الدّاعي العلميّة : يتّسم القرن الخامس في تاريخ الإسلام بسعة في العلم وتقدّم في الآداب ، وقد نبغ فيه علماء كبار ومؤلّفون بارعون . وقد كان من رجال أواخر هذا القرن وأوائل القرن السّابع